وهبة الزحيلي
18
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
هذه الأخبار مع غيرها تدلّ على وجوب الحجّ على الفور ؛ فإنه ألحق الوعيد بمن أخّر الحجّ عن أوّل أوقات الإمكان ؛ لأنه قال : « من ملك . . فلم يحجّ » والفاء للتعقيب بلا فصل ، أي لم يحجّ عقب ملك الزاد والراحلة ، بلا فاصل . وأجمع العلماء على أن الخطاب في قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ عام في جميع الناس ، ذكرهم وأنثاهم ، ما عدا الصغار ؛ فإنهم غير مكلّفين . وإذا وجدت الاستطاعة فقد يمنع مانع من الحجّ كالغريم يمنعه الدّائن عن الخروج حتى يؤدّي الدّين ، أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم ، فلا يلزمه الحجّ ، حتى يوفّر لهم النّفقة مدّة الغياب ، وتقديم العيال أولى ، قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمرو : « كفى المرء إثما أن يضيّع من يقوت » . وكذا الأبوان يخاف الضيعة عليهما ، ولم يكن له من يتلطف بهما ، فلا سبيل له إلى الحجّ ، فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة ، فلا يلتفت إليه . وإذا منع الرجل زوجته من الحجّ ، لم تحجّ على الصّحيح . وإذا لم يتوافر المحرم للمرأة أو الزّوج فلا يجب عليها الحجّ ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيحين عن ابن عمر : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج » فليس للمرأة أن تحجّ إلا مع زوج أو ذي محرم . وهل تكون الاستطاعة للبعيد عن البيت بالمشي ؟ قال الشافعية والحنابلة : لا حجّ على الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزّاد والرّاحلة إذا أمكنه المشي ، وإن حجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام . وحكي عن مالك : أن عليه الحجّ إذا أمكنه المشي ، ووجد الزّاد أو القدرة على الكسب ، أو لم يجد الزّاد والرّاحلة أيضا إذا أطاق المشي . والحجّ لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة ؛ لأنه ليس في الآية ما يوجب